تشير الأساطير الشرقية إلى طائر يعرف بـ"الفينيق"، وهو طائر ضخم ذهبي اللون، ولديه القدرة على العودة إلى الحياة بعد قتله، حيث يتحول إلى ما يشبه البيضة الكبيرة عقب موته، ليخرج حيًا وسليمًا بعدها.
لعل شركة "بولارويد" لصناعة التصوير وآلاتها من أكثر الحالات التي ينطبق عليها أسطورة "الفينيق"، حيث عادت مجددًا إلى الساحة بعد إفلاسها، بل وأصبحت أحد الرهانات على زيادة حصتها السوقية في سوق التصوير، سواء الآني، وهو مجال تميزها الأصلي قبل انهيارها أو الرقمي وهو مجال تحاول الدخول فيه بحذر في ظل المنافسة فيه، ووجود الجوالات المزودة بكاميرات احترافية كمنافس ذي ميزة نسبية واضحة.
تاريخ الشركة والصعود
تأسست "بولارويد" عام 1937 لتعمل في مجال التصوير، وكانت الكاميرات في ذلك الوقت اختراعًا قديمًا نوعًا ما، في ظل تأسيس منافسة "بولارويد" الأمريكية "كوداك" في عام 1888 وبالتالي كانت الشركة أمام تحدي الدخول لسوق به العديد من المنافسين الذين سبقوها، بما يعني ذلك من تفوق في الخبرات والمعارف وأيضًا وجود تقبل أوسع من جانب المستهلكين المحتملين.
للاطلاع على المزيد من المواضيع والتقارير في صفحة مختارات أرقام
وبعد تأسيسها بـ11 عامًا فحسب تمكنت الشركة الحديثة في السوق من التفوق على منافسيها، بتقديم أول كاميرا فورية في العالم، وتمكنت بعدها من الحصول على نسبة أكبر كثيرًا من السوق عن سنوات تأسيسها الأولى (لا توجد إحصاءات مؤكدة لتلك الفترة لكن تصل النسبة إلى 30-40% من سوق التصوير بشكل عام وفقًا للتقديرات)، وأصبحت الشركة في وضع تنافسي أفضل كثيرًا في مواجهة سابقيها إلى السوق.
وصعدت الشركة بعدها إلى القمة، بأن نمت مبيعاتها لتكون قرب مليوني دولار في منتصف الأربعينات، إلى أن وصلت لقمة مبيعاتها في عام 1991 لتتخطى 3 مليارات دولار، ووصل عدد موظفي الشركة إلى أكثر من 21 ألف موظف في عام 1978 في ظل تميز قسم الأبحاث والتطوير فيها حيث قدم مئات الموديلات من كاميرات التصوير واستمر في تقديم الجديد للسوق.
علامات التراجع وأسبابه
وعلى الرغم من أن الشركة بلغت قمة مبيعاتها في عام 1991، فإن علامات التراجع بدأت تظهر من عام 1978، وهو العام الذي قررت فيه الشركة طرح كاميرا فورية جديدة للسوق وهو نفس العام الذي بدأت فيه كاميرات الفيديو الشخصية الانتشار وحيازة شعبية في الولايات المتحدة والغرب، بما جعل لها منافساً جديداً لا يكتفي بالصورة الثابتة إنما يعطي العميل صورة متحركة وصوت.
وفشلت الموديلات التي طرحتها الشركة إبان ذلك واضطرت لتسريح بعض العمالة، وفي بداية الثمانينيات أعادت الشركة تطوير العديد من موديلاتها، ومنحت الصور جودة أعلى واهتمت بتطوير العدسات والذاكرة، بما أعاد الشركة إلى الواجهة مجددًا وإن كان الملاحظ حينها أنها كانت تطرح موديلات كثيرة سنويًا، بينما يحظى موديل أو اثنين فقط بالانتشار والقبول بينما تندثر الموديلات الأخرى.
وفي عام 1988 ظهر تحد جديد لـ"بولارويد"، حيث قدمت شركة "فوجي" اليابانية الشهيرة للتصوير أول موديل تجاري لكاميرا رقمية بالكامل، لديها القدرة على الاحتفاظ بعدد كبير من الصور يتم نقلها لاحقًا للحاسب الآلي أو طباعتها بشكل مباشر، بما شكل نقلة كبيرة في السوق، فضلًا عن تمتع تلك الكاميرا بجودة كبيرة في عدساتها، بما أجبر الشركة على محاولة اللحاق السريع بـ"الترند" الصاعد في عالم الكاميرات حينها.
وازداد الأمر صعوبة مع تقديم أول جوال به كاميرا، في اليابان أيضًا عام 1999، بما زاد الضغوط على الشركة التي تراجعت من قمة إيراداتها التي بلغتها في عام 1991 (3 مليارات دولار) لتصل إلى 1.84 مليار دولار فحسب في عام 2000، أي بانخفاض يقارب 40% في 9 سنوات، وهو العام الذي سبق إعلان الشركة عن إفلاسها وبيع الأصول والعلامة التجارية في 2001.
تطور لا يكفي
يأتي هذا على الرغم من أن الشركة باعت أكثر من 1.3 مليون كاميرا رقمية في عام 2000، لكن هذا لم يكن جيدًا بما يكفي لأكثر من سبب، لعل أولهم الخسائر الكثيرة التي تكبدتها الشركة بسبب أسلوب الإنتاج المبني على تقديم عشرات الموديلات واختبارها في السوق، بما يجعل هناك مخزونات كبيرة من سلع وموديلات راكدة، فضلًا عن التكلفة الكبيرة التي تحملتها الشركة للحاق السريع بسوق الكاميرات الرقمية.
وهنا تتشابه "بولارويد" مع "كوداك" في حقيقة تعرض كليهما لخسائر كبيرة بسبب الكاميرات الرقمية، حيث تأخرت كلاهما عن اللحاق بالسوق، ولكن "كوداك" بوصفها شركة عامة مدرجة في سوق الأسهم بحجم أعمال وأصول أكبر استطاعت الصمود لفترة أكبر حيث أعلنت لجوءها لإشهار الإفلاس في عام 2012، قبل إتمام العملية بالكامل بعدها بعام تقريبًا قبل إعادة طرحها في السوق عام 2013.
وعندما انهارت "بولارويد" في 2001 كان لديها أقل من 10 آلاف موظف، ولاحظ كثيرون أن أحد أهم أسباب الانهيار كانت استثمار الشركة المبالغ فيه في شراء العقارات، والتي تخطت قيمتها 200 مليون دولار حينها، وعلى الرغم من أن هذه العقارات كانت تستخدم كمقار للشركة، ولكن قيمتها الكبيرة جعلتها تضغط على ميزانية الشركة، في ظل إمكان إنفاقها على البحوث والتطوير مقابل شراء عقارات أقل كلفة.
ويشير تحليل أسباب انهيار "بولارويد" لـ"فوربس" إلى أنها لم تلحظ تراجعا لافتا في "العملاء التنظيميين" أو الشركات والمهنيين، حيث إن المهنيين مثل ضباط الشرطة وبائعي التأمين والمحققين ووكلاء العقارات كانوا يستخدمون كاميرات بولارويد حصريًا في العمل، قبل أن تقلص الكاميرات الرقمية الاعتماد عليها، حيث كانت الإيرادات من المؤسسات المهنية تشكل 50% من إيرادات الشركة في بداية الثمانينيات بينما لم تتعد 38% في عام 1995.
العودة
واستمرت علامة "بولارويد" التجارية في التنقل من مالك لآخر في أعقاب انهيار الشركة في 2001، مع محاولات خجولة من أجل إعادة الشركة للسوق مجددًا، لكن التحالف الذي اشترى العلامة التجارية في 2017 كان الأكثر جدية في إعادة بناء العلامة التجارية، واستغل في ذلك عودة الاهتمام الكبير بالتصوير الفوري مع انتشاره بين المراهقين ومعتادي السفر للسياحة.
ويمكن القول إن هناك عددًا من الأسباب التي كانت ممهدة لعودة "بولارويد" إلى السوق مجددًا يمكن إجمالها في العناصر التالية:
الحنين إلى الماضي: أصبحت الكاميرات الفورية رمزًا للحداثة والرجعية في نفس الوقت، مما جذب جيلًا جديدًا من المستهلكين الذين يبحثون عن تجربة تصوير فريدة ومختلفة.
الابتكار: أعادت بولارويد تصميم كاميراتها لتناسب الأذواق الحديثة، وأضافت إليها ميزات جديدة مثل الاتصال بالجوال الذكي.
الاستدامة: أصبحت الكاميرات الفورية خيارًا جذابًا للمستهلكين المهتمين بالبيئة، حيث لا تتطلب طاقة كهربائية كبيرة ولا تنتج نفايات إلكترونية.
ثقافة الصور الفورية: انتشرت ثقافة مشاركة الصور الفورية على وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد من شعبية الكاميرات الفورية.
وعادت الشركة حاليًا لتحقق مبيعات تقدر بأكثر من 1.2 مليار دولار، وذلك بعد أقل من 7 سنوات من عودتها للعمل مجددًا، مع توقعات بنمو المبيعات إلى 1.9 مليار دولار بحلول عام 2029، مع استمرار تركيزها على سبب تفوقها الأول وهو إنتاج الكاميرات الفورية التي تقدم صورًا "في حجم بطاقة الفيزا" كما تقول الشركة في إعلاناتها.
هناك عوامل أخرى مثيرة للتفاؤل بخصوص مستقبل "بولارويد" أيضا، وهي حقيقة أن السوق الذي تنشط فيه -للتصوير الفوري والطباعة الصغيرة- تبلغ قيمة أعماله أكثر من 2.65 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع قيمته للضعف تقريبًا بحلول عام 2030، بما أدى لارتفاع تقييم قيمة الشركة السوقية حاليًا بصورة كبيرة (تختلف التقييمات بسبب العنصر المعنوي أو اسم الشهرة للشركة لكنها حاليا لا تقل عن مليار دولار وفقا لغالبية التقديرات).
كما أن الشركة تبدو حريصة على تلبية كافة الأذواق في سوقها من خلال طرح موديلات كثيرة تقدم تنويعات في أحجام وأشكال الصور المطبوعة، فضلًا عن آلات الطباعة الفورية، ويمنح هذا التنوع الشركة القدرة على التوسع مستقبلًا، لكنه في المقابل يجعلها تعاني من تزوير أوسع لمنتجاتها وبيعها بأسعار أقل بما يكبد الشركة خسائر كبيرة (تقديرات المنتجات المزورة للشركة تصل إلى 100% من إنتاجها).
والشاهد أن الصعود في مجال التصوير لم يقتصر على "بولارويد" ولكن امتد لـ"كوداك" أيضًا التي ارتفعت أسهمها بنسبة 118% خلال الأعوام الخمسة بين منتصف ديسمبر 2019 ومنتصف ديسمبر 2024، ليتأكد ازدهار العديد من الشركات التي عانت تراجعًا بسبب التكنولوجيا الحديثة قبل عقدين وأكثر، واللافت ان عودتهما للواجهة جاءت لنفس الأسباب التي أدت آنفًا لتراجعهما وهي التمسك بالمنتجات التقليدية.
وعلى الرغم من العودة اللافتة للشركة وتحقيقها النجاحات في الأعوام الأخيرة، فإنه يبقى عليها الانتباه دائماً لتطور الذوق العام المرتبط بمنتجاتها، فالتعاون مع المؤثرين والحنين للماضي وصرعة السياحة للشباب أمور قد تتغير بين حين وآخر، وبالتالي تتأثر نتائج أعمال الشركة، بما قد يهددها بالعودة إلى دوامة التراجع مجددًا.
المصادر: أرقام- فوربس-ياهو فاينانس- فورين سايت كونسلتنسي- وول ستريت جورنال
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}