نبض أرقام
06:39 م
توقيت مكة المكرمة

2025/02/26
2025/02/25

دروس التاريخ .. كيف تسبب رجل واحد في انهيار الأسهم والاقتصاد بأمريكا قبل 100 عام؟

07:56 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

شهدت الولايات المتحدة عام 1907 كارثة مالية مفاجئة أصابت العالم أجمع بالذعر، وهي أشبه بما حدث لاحقاً عام 2008، إلا أن عواقبها كانت أشد، إذ تسببت في ثاني أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ البلاد بعد الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين.

وعلى العكس من الأزمة المالية العالمية بداية القرن الجاري، والتي قادها جشع المؤسسات المالية الكبرى، وتوسعها في الإقراض العقاري، فإن ما حدث قبل 120 عامًا كان مدفوعًا بأطماع مجموعة صغيرة للغاية من المضاربين، الذين راهنوا على خوف المستثمرين لتعظيم ثروتهم.

 

 

في ذلك الوقت، كان رجل الأعمال "فريتز أوغسطس هاينز" ثريًا للغاية بعد بيعه منجماً للنحاس في مونتانا مقابل 12 مليون دولار (نحو 400 مليون دولار بقيمة اليوم المعدلة للتضخم)، وانتقل إلى نيوريورك وبدأ يستثمر بكثافة في البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

 

للاطلاع على المزيد من المواضيع والتقارير في صفحة مختارات أرقام

 

 

أراد "هاينز" وأخواه "آرثر" و"أوتو" وشريكهم "تشارلز مورس" تحقيق ربح سريع عن طريق الضغط على المستثمرين الذين يبيعون على المكشوف سهم "يونايتد كوبر"، وهي شركة نحاس هم شركاء فيها.

 

لكن خطتهم لم تسر كما هو مأمول، وتسببت في حالة هلع واسعة النطاق، إذ تدافع المودعون لسحب أموالهم من البنوك المرتبطة بـ "هاينز"، خوفًا من تأثرها بإفلاس محتمل للإخوة.

 

وخلق هذا "تأثير الدومينو" الذي ترتب عليه فوضى عارمة كادت تؤدي إلى تدمير عميق للنظام المصرفي الأمريكي ونتج عنها في النهاية تأسيس نظام الاحتياطي الفيدرالي بشكله الحالي بعد سنوات قليلة من الأزمة.

 

وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان على هذه الذكرى المريرة المعروفة بـ "ذعر 1907" أو "هلع المصرفيين"، ورغم سن العديد من اللوائح وتأسيس جهات تنظيمية حاكمة للسوق، ما زالت نفس الأخطاء تتكرر، لكن هل تقود إلى نفس المصير؟

 

اللعنة الخالدة في الأسواق

- الجشع المصحوب براوبط قوية مع المؤسسات المالية، كان ولا زال عنصر الخطر الرئيسي لانهيار السوق وتعثر الاقتصاد في الولايات المتحدة، ولعل أحد أبرز الأمثلة الحديثة كان انهيار صندوق "أركيجوس كابيتال" عام 2021 والذي كاد يتسبب في أزمة مالية عالمية جديدة.

 

- كان طمع مؤسس الصندوق "بيل هوانج" وتساهل البنوك التي وفرت له التمويل السهل سببًا في اضطراب حاد للأسواق، بعد ارتفاع قيم بعض الأسهم التي راهن عليها باستخدام الدين، قبل أن ينتهي به المطاف بانهيار أعماله وسجنه بتهمة الاحتيال والتلاعب بالسوق.

 

 

- بالعودة إلى عام 1907، كان الإخوة "هاينز" مدفوعين بالطمع، حيث خططوا لشراء حصة احتكارية من أسهم "يونايتد كوبر" بما يكفي لرفع قيمة السهم، ومن ثم إجبار البائعين على المكشوف على إعادة شراء السهم منهم بسعر مرتفع لتغطية مراكزهم.

- لكن حسابات الإخوة "هاينز" لم تكن دقيقة، فرغم استحواذهم على حصة كبيرة من الأسهم، فإنها لم تكن كافية لتحقيق "احتكار السوق"، كما أنهم أخطأوا في تقدير عدد المستثمرين الذين يبيعون السهم على المكشوف.

- أدرك بعض المساهمين الكبار خطة "هاينز" مبكرًا وتمسكوا بحيازتهم من السهم، قبل أن يتسرب الخبر إلى الصحف التي تحدثت عن "مخطط الإخوة للتلاعب بالسعر"، ما خلق حالة من الذعر في السوق تسببت بانهيار قيمة السهم على الفور.

 

- في 14 أكتوبر 1907، قفز سهم "يونايتد كوبر" من 39 دولارًا إلى 62 دولارًا خلال دقائق من بداية الجلسة، لكن بعد تواتر التقارير حول خطة الإخوة "هاينز" في اليوم التالي، انهار السهم في 16 أكتوبر إلى 15 دولارًا.

 

- سارع المودعون لنقل أموالهم إلى بنوك أكثر موثوقية، والابتعاد عن تلك المرتبطة بـ "هاينز" وشركائه، وتدخلت دار المقاصة في نيويورك لطمأنة المودعين، وأقالت إدارات بعض البنوك (بما في ذلك التي ضمت "هاينز" و"مورس")، ونجحت في احتواء أزمة المصارف بالفعل، لكن لفترة وجيزة للغاية.

 

- السباحة ضد تيار السوق، ظلت منذ ذلك الحين إحدى الممارسات المشهورة في الولايات المتحدة، لكنها كما في مثال الإخوة "هاينز" لا تنتهي دائمًا على نحو جيد، وهو ما تكرر أيضًا مع "تشانوس آند كو" التي قادها المستثمر الشهير "جيم تشانوس".

 

- كانت "تشانوس" إحدى الشركات المشهورة بعمليات البيع على المكشوف، وذاع صيتها بفضل رهانها ضد شركة الطاقة "إنرون" قبل إفلاسها عام 2001، لكن "جيم" وضع حدًا لمغامراته الخطرة عام 2023، بإنهاء نهج الرهان ضد الأسهم وتحويل شركته إلى مكتب لإدارة الثروة العائلية.

 

- وفقًا لتقارير، عندما اتخذ "تشانوس" هذا القرار، كانت قيمة أصول شركته انخفضت إلى ما دون 200 مليون دولار، مقارنة بنحو 6 مليارات دولار في عام 2008، وواجه المستثمر لاحقًا اتهامات باختلاس أموال شركائه وتوظيفها لتعظيم ثروته الشخصية فقط.

 

 

- إن الاضطرابات أو الخسائر التي تسبب بها "تشانوس" أو "هوانج" أو حتى شركة الأبحاث "هيندنبورج"، لا تقارن بالعاصفة الاقتصادية التي تسبب بها الإخوة "هاينز" قبل قرن من الزمان، والتي تتجاوز ضياع ثروة المضاربين أو انهيار قيمة سهم ما أو تعثر أحد البنوك.

الزوبعة تتحول إلى إعصار

- في هذه الفترة من تاريخ أمريكا، لم تكن البنوك هي من يحكم النظام المالي فقط، وكان هناك لما يعرف بشركات الاستئمان أو "Trust companies" دور رئيسي، حيث كانت تنافس المصارف على جذب الودائع رغم أنها لم تكن جزءًا مركزيًا من نظام المدفوعات.

 

- مع ذلك، كانت هذه الشركات مهمة جدًا للنظام، حيث تقرض مبالغ ضخمة للمستثمرين والسماسرة في سوق الأسهم، ولم تطلب ضمانات للقروض التي تسدد بنهاية يوم العمل.

 

- استخدم المقترضون هذه الأموال لشراء الأوراق المالية، وبعد ذلك قدموا تلك الأصول كضمان للاقتراض من البنوك المعتمدة وسداد قيمة القروض الأولية من شركات الاستئمان.

 

- بعد أيام قليلة من انهيار سهم "يونايتد كوبر" وتدخل غرفة المقاصة، انتشرت أخبار تفيد بأن رئيس إحدى شركات الاستئمان الرئيسية "نيكربوكر تراست" كان شريكًا لـ "مورس"، ما تسبب في موجة من سحب الودائع، دفعت مصرف "ناشونال بنك أوف كوميرس" لدعم الشركة بالقروض.

 

- لاحقًا رفضت دار المقاصة طلب البنك تقديم قروض إضافية للشركة، لتعلق "نيكروبوكر" عملها، بعد فشلها في سداد 50 مليون دولار من الالتزامات، في خطوة ترتب عليها أزمة مالية شاملة في نيويورك.

 

- لكن مع تفشي عمليات سحب الودائع على نطاق واسع بين عملاء الشركات والبنوك الأخرى، أُجبر "جيه بي مورجان" والبنوك التابعة لدار المقاصة على تقديم المساعدات.

 

- استمرت الأزمة أسبوعين آخرين، وارتفع معدل الفائدة السنوي على الضمانات المالية في بورصة نيويورك إلى 100% من 9.5% خلال أيام قليلة.

 

 

- كانت شركات الاستئمان في عام 1907 أشبه ببنوك الظل (صناديق التحوط وصناديق سوق المال المشتركة) في الأزمة المالية لعام 2008، والتي قدمت القروض قصيرة الأجل لبعض بنوك الاستثمار الرئيسية، وواجه كلاهما عمليات سحب كثيفة من قبل المودعين خلال الأزمتين.

 

- في 2008 تركزت الأزمة في البنوك الاستثمارية، وهي المؤسسات التي لا تتمتع بالقدرة على الوصول المباشر إلى نظام الاحتياطي الفيدرالي، تمامًا كما حدث في 1907 مع شركات الاستئمان، التي اعتُبرت وسطاء خارج دار المقاصة، المقرض الفعال كملاذ أخير في ذلك الوقت.

 

- بدأت الأزمتان الماليتان خارج البنوك الكبرى التي تعمل كمراكز للمدفوعات، ومع ذلك، خلقت الأزمتان حالة من الفوضى داخل الأسواق وبين البنوك التي كانت تشكل محورًا لنظام المدفوعات، وتحدت الأزمتان الآليات القائمة المستخدمة للتخفيف من حدة الأزمات، ونتج عنهما جهود لإعادة التنظيم.

 

أموال خاصة وخسائر عامة

 

- يُعتقد أن أحد الأسباب الحقيقية التي أججت "ذعر المصرفيين" هو عدم توافر أموال كافية لدى البنوك لإقراضها لبعضها بعضاً خلال الأزمة، بسبب زلزال سان فرانسيسكو عام 1906، والذي تسبب في إفلاس كبار المودعين، إلى جانب تقلب نظام معيار الذهب.

 

- قبل أزمة 1907 حتى 3 عقود تلتها، كان للبنوك التجارية والشركات الأمريكية (وحتى المواطنين) حق إصدار النقود والتي عرفت آنذاك بـ "النقود الخاصة"، وكانت أغلب العملات المتداولة والمعاملات في البلاد بحلول القرن التاسع عشر باستخدام أموال المصارف الخاصة.

 

- يعتقد أن السبب الرئيسي لضعف سيولة البنوك آنذاك هو تدخلات الحكومة قبل تأسيس الفيدرالي، حيث سمحت للمقرضين بطباعة النقود الخاصة بشرط الاحتفاظ بـ "حد أدنى صحي" من السندات الفيدرالية، التي قلت إصداراتها بشكل كبير، ما قوض قدرة المصارف على طباعة الأموال.

 

 

- رغم أن الأزمة استمرت إجمالًا نحو 3 أسابيع، لكن آثارها كانت مؤلمة للغاية، حيث انخفضت بورصة نيويورك بنسبة 50% عن مستوى الذروة المسجل قبل عام، وتحولت البنوك في المدينة إلى عجز قدره 54 مليون دولار من فائض 11 مليون دولار.

 

- كانت هناك تداعيات اقتصادية كارثية، حيث انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 17% في عام 1908، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12%، وهو الانكماش الأكثر حدة بعد الكساد العظيم، بحسب الاحتياطي الفيدرالي.

 

- وفقًا لبعض التقديرات المستقلة، انخفضت أسعار السلع الأساسية بنسبة 21%، وتراجعت الواردات بنسبة 26%، وزادت البطالة إلى 8% مما دون 3%، وهبط معدل الهجرة إلى 750 ألفًا من 1.2 مليون مهاجر، وانخفضت استثمارات الشركات بنسبة 25%.

 

- أزمة 1907 لم تؤثر فقط على أمريكا، بل امتد تأثيرها إلى الأسواق الأوروبية، واضطرت بعض البنوك هناك إلى تقييد الائتمان بسبب نقص السيولة الناجم عن تدفق الأموال إلى الولايات المتحدة، وهذا يوضح كيف أن الأزمات المالية ليست محلية فقط، بل تمتد عالميًا.

 

- في حين أدى غياب التنظيم إلى انهيار السوق عام 1907، فإن التساهل في الإقراض العقاري قاد إلى انهيار عام 2008، لكن، هل يمكن أن تحدث أزمة مشابهة في عصرنا الحالي، رغم كل التطورات التنظيمية والتكنولوجية؟

 

 

- تؤكد الأدلة التاريخية أن بعض الأخطاء الفردية قد تؤدي إلى انهيار سريع إذا تزامنت مع ظروف غير مواتية، وأن النظام المالي رغم تطوره بعد عقود يظل هشًا أمام الطمع، والمضاربة المفرطة، وضعف الرقابة.

- إن الأزمات المالية ليست مجرد أحداث منفصلة، بل حلقات متكررة في دورة "الجشع والخوف"، وبينما تتغير الأدوات والكيانات، تظل القاعدة ثابتة: "عندما تتراخى الرقابة، وتتفاقم المضاربة، يصبح الجميع عرضة للخطر، بغض النظر عن الأسماء، سواء كانت شركات استئمان أو بنوك ظل أو ربما أصول ومنصات رقمية".


المصادر: أرقام- الفيدرالي في سانت لويس- الفيدرالي في بوسطن- الفيدرالي في أتلانتا- الفيدرالي في كيلفلاند- موقع تاريخ الاحتياطي الفيدرالي- أرشيف الكونجرس- جامعة جورجيا- مكتب إحصاءات العمل -رويترز- ياهو فايننس- سي إن بي سي- فورتشن- فوربس- كوين ديسك- كلية كيلوج

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.